السيد محمد تقي المدرسي
241
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
وهكذا نستفيد من الآية ؛ ان الطيب قد يختلف كما الخبيث ، وان المعيار في تحديدهما ؛ اما هو الوحي أو العقل أو الطبع الخاص . ولكن المسألة لا تزال بحاجة إلى المزيد من التأمل والبحث . والله المستعان . وحتى لو كان معنى الطيب والخبيث غير ظاهر ، فان أدلة حلية ما في الأرض تكفي بياناً لأصل الحلية . يقول في ذلك العلامة النجفي ، وهو يذهب إلى اجمال معنى الخبيث ، ولكنه لا يرى انه يضر بأصل حلية الأشياء . قال : وبالجملة لا يتحصل لنا اليوم من الخبائث معنى منضبطاً يرجع اليه ، فيجب الاقتصار فيها على ما علم صدقها عليه قطعاً كفضلة الانسان . ثم قال : والرجوع في البواقي إلى الأصل الأول ( أي أصل الحلية ) ولا عدم حجية بعض العمومات المبيحة للأشياء لتخصيصها بالمجمل ، إذ الأصل العقلي والشرعي في حلية مالم يعلم حرمته كاف في المطلوب . « 1 » وفي ختام هذا البحث ، نقرء معاً حديثاً شريفاً مأثوراً عن الإمام الصادق عليه السلام ، حيث يسأله الراوي فيه : لم حرّم الله الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير ؟ قال : ان الله تبارك وتعالى لم يحرّم ذلك على عباده واحلّ لهم ما سواه من رغبة منه فيما حرّم عليهم ، ولا زهد فيما احلّ لهم ، ولكنه خلق الخلق فعلم ما تقوم به أبدانهم وما يصلحهم ، فاحلّه لهم واباحه تفضّلًا عليهم [ به ] لمصلحتهم ، وعلم ما يضرّهم فنهاهم عنه وحرّمه عليهم ، ثم اباحه للمضطر واحلّه له في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلّا به فأمره ان ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك ، ثم قال : اما الميتة فإنه لا يدمنها أحد إلّا ضعف بدنه ونحل جسمه وذهبت قوته وانقطع نسله ولا يموت آكل الميتة إلّا فجأة ، واما الدم فإنه يورث أكله الماء الأصفر ويبخر الفم وينتن الرّيح ويسئ الخلق ويورث الكلف والقسوة في القلب وقلة الرأفة والرحمة حتى لا يؤمن ان يقتل ولده ووالديه ولا يؤمن على حميمه ولا يؤمن على من يصحبه ، واما لحم الخنزير فان الله تبارك وتعالى مسخ قوماً في صور شتى شبه الخنزير والقرد والدبّ وما كان من المسوخ ثم نهى عن أكل المثلة [ مثله ] لكيلا ينتفع
--> ( 1 ) جواهر الكلام / ج 36 / ص 239 .